التهرّب، الإبهار، والإفشاء

إننا نعيش في عصر المراقبة الحسابية حيث: الصّفقات، الأفضليات، السياسة، والفساد قد أصبحت بشكل متزايد مُلحَقة، مُتتبَّعة ، مُتوقّعة ومُباعة.
إنّ الطرق التي يتم فيها استخدام وسائل الإعلام الجديدة من قِبل الدّولة والشركات لجمع بياناتنا الشخصية قد أصبحت معضلة مجتمع التصميم العالمي.

 

مهام الطلاب، ومشاريع الأطروحات، والمؤتمرات، وورش العمل والمعارض منشغلةٌ بالكشف عن التورّط الدائم في العيش ما بعد عصر “سنودِن Snowden” الذي كشف تفاصيل برامج مراقبة سرية للولايات المتحدة.

 

بينما العديد من المصممين متواطئون ومساهمون في تسييل وضبط هويّاتنا الرقمية، هناك من يقاومون لافتين الإنتباه إلى غدرهم. بعض من حالات المقاومة هذه هي ببساطة إعلامية لمساعدة الناس على فهم كيف ولماذا يتآكل وجودنا الخاص والمجهول أو لتحريضنا لاتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها، ولدعم العمل في الحقوق الرقميّة هناك ناشطون مثل “شبكة Tor” وهي شبكة عالمية يشغلها الآلاف من المتطوعون لتقديم خوادم وتبديلات وخدمات تهدف إلى تجهيل البيانات. هناك استراتيجية أخرى هي توفير الأدوات والأساليب لتمكين طرق أكثر فعالية لنا لتفادي، وتعريض أو مقاومة الإنتباه الغير مرغوب من الحكومات والشركات.

 

إن إدارة الطيران الإتحادية الأمريكية (FAA) توقعت م}خرا أنه وبحلول عام 2020، ستصبح سماء أمريكا ممتلأة بما يقارب 7 ملايين طائرات بدون طيار تجارية، للهواة، أو حكومية وهذا حوالي ثلاثة أضعاف ما نملكه الآن.
بعضها ستكون مجهزة بكاميرات رقمية عالية الوضوح، وكاميرات أشعة تحت الحمراء، وأجهزة استشعار Gorgon Stare.
إنّ تقنيات التعرف على الوجه لا تزال تتطور وهي معتمدة على تصنيف قواعد بيانات أوجه الناس، لكنها حاليا مستخدمة بشكل كبير.
فيديوهات المراقبة عالية الوضوح هي من أسرع الصناعاتت نموا في العالم والتي تجمع عددا مذهلا يصل إلى 413 بيتابايت من البيانات في اليوم. في المملكة المتحدة على سبيل المثال، هيئة صناعة الأمن البريطانية (BSIA) قدّرت أن هناك ما يصل إلى 5.9 مليون كاميرا مراقبة، وهو ما يعادل واحد لكل عشرة مواطنين، تراقبنا ما لا يقل عن 300 مرة في اليوم.

 

إنّ المشروع الظاهر في الأسفل يلفت الإنتباه إلى موضوع أكبر من المراقبة المادية والرّقمية التي نعيش فيها، ويهدف إلى تعزيز فهم هذه المسألة.
إنه يستجيب أكثر إلى تقنيات محددة مثل: الطائرات بدون طيار، برمجيات التعرف على الأوجه، كاميرات المراقبة، أو برمجيات المسح النصيّ ويقدم طُرقا لتجنّبها، تعطيلها، أو تشويشها.
بالإضافة إلى المشاريع الإعلامية الرائجة وغيرها التي يمكن أخذها بعين الإعتبار، وفقا للإستجابة الأولية أنها تسعى إلى تشجيع مستخدميها. هناك أولئك الذين يقدمون لنا نظام ينصحنا بالإنسحاب أو بإخفاء أنفسنا ومعلوماتنا، وأولئك الذين يحثّوننا على مواجهة مُراقبينا من خلال تقنيات ناشطة مثل sousveillance أو الكشف الوقائي لبياناتنا كتحدٍ لأصحاب السلطة.

 

التهرّب والإبهار

 

العديد من تصاميم التي تصنع حاليا للرد على المراقبة ترتكز على الإتاحة للناس إخفاء خوياتهم من خلال تقنيات تمويه وإلهاء تم اختبارها عبر الزمن، مثل خلق “ضجيج” إضافي الذي تم تحديث للتهرب من تقنيات اليوم. يمكن لهذا التمويه أن يكون بصريًا، وراثيًا، أو رقميّا.
إنّ مصممة التمويه الحضريّة اليابانية آيا تسوكيوكا قد طورت سلسلة من التجهيزات التي توفر أشكالا من التمويه الحَضري مثل: تنّورة تفتح لتكون خيمة مطبوع عليها صورة آلة بيع في الشارع، محفظة تشبه غطاء فتحة يمكنك تركها على الشارع، وحقيبة ظهر طفل تسمح لمرتديها بالتخفي كصندوق خرطوم إطفاء حريق.
حيث كانت قد استلهمتها من قصص النينجا الذين يغطون أنفسهم بملاءات سوداء في الليل،
القصد من هذه الأدوات هو لتوفير ملجأ سريع للمدنيين من المهاجمين أو أجهزة المراقبة.
في الآونة الأخيرة، أطلق المكتب المعماري Snarkitecture المتمركز في بروكلين سلسلة من الملابس المعمارية التمويهية والتي تهدف إلى خلق ما يسمونه “لحظات الإرتباك المعمارية، التي تصبح فيها تائهًا ضمن أسطح المواد المختلفة”. إنّ الخط الأوليّ يستخدم أنماطا حضرية من مدينة نيويورك مثل بلاطات محطة الأنفاق وأرضيات الرخام. وبينما يمكنك تحميل صورك الخاصة على الموقع وطباعتها على نفسك، تستطيع صنع تمويهك الحضري الخاص الملائم لمنطقتك.

 

وبالمثل، المصممان الألمانيان Sabina Keric و Yvonne Bayer قد صنعا مجسمات ثلاثية الأبعاد من مواد مثل أكياس البازلاء المجمدة أو زجاجات الصويا البلاستيكية التي تدمج لابسها مع المعروضات التجارية في المتاجر كوسيلة سريعة لتفادي ما يسمونه ” ضجة الصلات الإجتماعية”.

 

يمكن رؤية العديد من مبادئ “قفص فاراداي Faraday Cage” المنتشرة والمستمدة من إختراع عالم إنجليزي فيكتوري، الذي كان عبارة عن غرفة مغلفة برقاقة معدنية لإبعاد التأثيرات الإستاتيكية والكهرومغناطيسية.
أثناء إقامة مع مكتب هيوز كوندون المعماري (HCMA Architecture + Design) في عام 2014، صنع المصمم الإجتماعي جوليان توماس “مقهى فاراداي” في فانكوفر. احتوى المقهى على مكعب 2.5×4.9 متر مكونا من شبكة متصلة من الألومنيوم، والتي تعمل على إلغاء الإشارات الكهرومغناطيسية بما فيها الوايفاي وشبكة الهواتف النقالة. في هذا القفص، يمكن للزبائن التهرب من التواصل الدائم، وكذلك الحصول على حماية مؤقتة من المراقبة.

 

 

التمويه المطبعيّ

“Seen” هو خط من قبل المصمم السلوفيني Emil Kozole والذي يحتوي على مجموعة من “كلمات شبحية” حسّاسة والتي تبحث عنها وكالة الأمن القومي في اتصالاتنا وغيرها من الوكالات.
إنّ طريقة الكتابة هذه يمكن استعمالها في أي تطبيق معروف مثل Illustrator, Indesign, Word أو متصفّح. يمكن استخدامه بشكل عادي لكتابة النصوص، لكن عند كتابة أحد هذه الكلمات المثيرة يقوم الخط بشطبها من المنتصف. هذا الخط يظهر لك المواضع التي يُحتمل فيها مراقبتك وكذلك يحفظك من التتبع.

 

أثناء خدمته في الجيش الكوري، عمل المصمم Sang Mun لوكالة الأمن القومي وتعلم كيفية استخراج المعلومات من الأهداف الدفاعية. عندما انتقل إلى الولايات المتحدة لدراسة التصميم الجرافيكي في مدرسة Rhode Island للتصميم ووجد أن تقنيات الدولة للمراقبة الحسابية تُطبق أيضا على المواطنين الأمريكيين، قرر أن يكرس عمله للإحتجاج وفضح ومنع هذه المراقبة الرقمية.
خطّ ZXX التخريبي الذي قام بتصميمه أصبح متعارفا بين الناس لكنه يُشتت تطبيقات التعرف الضوئي على  الحروف (OCR) للمسح النصيّ.
إنّ إسم ZXX مشتق من رموز مكتبة الكونغرس Alpha-3 ISO 639-2 التي تمثل أسماء اللغات. ZXX يُستخدم للدلالة على “لا يوجد أي محتوى لغوي قابل للإستعمال”

 

الإفشاء

العديد من المشاريع تنخرط في التكتيكات المرتبطة بأعمال المراقبة. هناك مصطلح ابتدعه Steve Mann والذي يشير إلى استخدام تكنولوجيا صغيرة يمكن ارتداؤها أو حملها لتسجيل أنشطة الإحتجاج في الشوارع من وجهة نظر مشارك. إنه يعكس التسلسل الهرمي للمراقبة، بتغيير الكاميرا من زاوية نظر من على المباني، إلى مستوى إنساني بتعليق كاميرات أو أي وسائل مرافبة أخرى على الناس أنفسهم.
هناك مثال نموذجي صممه استوديو التصميم الكوري Shinseungback Kimyonghun، وهي سترة مشاهدة مدعمة بعدسات كاميرا يمكنها تصوير المهاجمين وبث الصور عبر الإنترنت. والأكثر مأساوية هي “القنبلة الشفافة” لجوليان أوليفر وهو جهاز محمول لتسريب المعلومات من الإجتماعات المغلقة.
“القنبلة الشفافة” المزوّدة بكمبيوتر صغير وميكروفون وهوائي لاسلكي قوي، تلتقط حركة الشبكات والأصوات في الموقع وتعمل على بثها بشكل سريّ ومجهول إلى خادم مخصص للحصول على المعلومات والتي يتم عرضها بعد ذلك على الإنترنت.

 

 

يؤمن المصمم الهولندي Ruben Pater أننا بحاجة لتسليح أنفسنا بالمعلومات عوضًا عن الأسلحة في سبيل مقاومة انتشار طائرات المراقبة دون طيار. لقد قام بتصميم حقل دليلي يجمع رسومات لطائرات دون طيار لمساعدتنا على تحديدها وهي محلّقة، واقترح أخذ الحيطة لمساعدتنا على الإختباء منها. إنّ الحقل الدليلي مطبوع على ورقة ألومنيوم معكوسة كبيرة والتي يمكن استعمالها كدرع لتفادي أجهزة الإستشعار الحرارية للطائرات دون طيار، أو لعكس أشعة الشمس للتشويش على كاميراتها.
الكثير من المعلومات موجودة في دليل Pater للطائرات دون طيار والمستمدة من دليل تعليمات لتفادي هجمات الطائرات دون طيار تم اكتشافها من قبل وكالة Associated Press في تمبكتو Timbuktu، والتي كُتب من أحد كبار قادة تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا.
في محاولة لنشر المعلومات، ترجَم Pater الدليل إلى عدة لغات ووفرها في امتداد PDF يمكن تحميله. هناك طريقة أخرى لمحاربة المراقبة الرقمية هي بإيقاف كشف وعرض بياناتك الخاصة والتي وضّحها Anab Jain مؤسس Superflux ” يمكن إرسال رسائل قوية إلى أصحاب السلطة والمواطنون واعون وحريصون على القيام بشيء حيال  ذلك”
وكالة الأمن القومي وغيرها من خدمات الحماية الحكومية قد جمع بشكل سريّ ومسحت معلوماتنا الشخصية ومراسلاتنا باحثة عن كلمات مثيرة: من مرض “الجمرة الخبيثة” المؤذي و”قنبلة” إلى الكلمات الحميدة مثل: “لحم الخنزير” و”عاصفة”.
مُلحق Scaremail الذي صنعه Benjamin Grosser هو مُلحق متصفح انترنت يهدف إلى تعطيل هذه المراقبة عن طريق إضافة قصة حسابية مُختلقة تحوي مجموعة من مصطلحات بحث وكالة الأمن الوقائي المحتملة إلى كل إيميل جديد.
هذه “القصة” تعمل بمقابة فخ لبرامج وكالة الأمن الوقائي مثل PRISM و XKeyscore، والتي تجتاحهم بالكثير من النتائج وتجبرهم على النظر إلى الكثير من الهراء.
كل إيميل يحوي قصة فريدة من نوعها، في محاولة لتجنب التصفية الآلية من قبل محركات بحث وكالة الأمن الوقائي.

 

سندس وائل

سندس وائل

ترجمة

عبدالرحمن منّاع

عبدالرحمن منّاع

تدقيق لغوي

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *